محمود درويش يكتب عن مارادونا: لن يجدوا دمًا فى عروقه بل وقود الصواريخ
محمود درويش يكتب عن مارادونا: لن يجدوا دمًا فى عروقه بل وقود الصواريخ

كان مونديال المكسيك ١٩٨٦ قد انتهى وعاد اللاعبون إلى بلادهم، وبقى هذا الفتى بجسده المدكوك فى الذاكرة والوجدان تاركًا مشاهد المتعة والإثارة والجمال، وفى مشاهد متتالية يرسم محمود درويش الفراغ الذى تركه لاعب الكرة الساحر فى الروح، وكتب هذا النص الذى ظهر لأول مرة فى كتاب حسن خضر، وضم مختارات نثرية لمحمود درويش منها «مارادونا».

ماذا فعلت بالساعة، ماذا صنعت بالمواعيد؟

ماذا نفعل بعدما عاد مارادونا إلى أهله فى الأرجنتين؟

مع منْ سنسهر، بعدما اعتدنا أن نعلّق طمأنينة القلب، وخوفه، على قدميه المعجزتين؟ وإلى منْ نأنس ونتحمّس بعدما أدمناه شهرًا تحوّلنا خلاله من مشاهدين إلى عشّاق؟

ولمن سنرفع صراخ الحماسة والمتعة ودبابيس الدم، بعدما وجدنا فيه بطلنا المنشود، وأجج فينا عطش الحاجة إلى: بطل.. بطل نصفق له، ندعو له بالنصر، نعلّق له تميمة، ونخاف عليه وعلى أملنا فيه من الانكسار؟
الفرد، الفرد ليس بدعة فى التاريخ.
يا مارادونا، يا مارادونا، ماذا فعلت بالساعة.. ماذا صنعت بالمواعيد؟

سنتذكر لنسهر أكثر
فراغ الأمسيات يتقدّم منّا كطبل من حديد، فنحن لا ننتظر أحدًا. سنجر الخطى الثقيلة فى اتجاه بيروقراطية النفس والوقت، وسنضطر إلى قبول مواعيد أخرى، نستعيد فيها الثرثرة اليومية حول المناخ، والعنصرية، والحروب الأهلية.. وسنتذكّر، لنسهر أكثر، عصرًا ذهبيًا عاصرناه: العصر الذى حل فيه مارادونا ضيفًا على لهفتنا، فأقلعنا عن كل شىء لنتفرغ لما مسّنا من طقس: محبة مارادونا، وتسييج قدميه بفضاء الرحمة، والقفز على الشاشة لفك الحصار الألمانى الثقيل، الذى يسد الهواء على توتر عضلاته، وهجاء الحكم البرازيلى، الذى كسر قلب مارادونا، كما يكسر الرجل الغليظ القلب قلب طفل برىء.. لا لشىء إلا لأنه يغار من عبقرية الطفولة.

يفلت كالصوت
له وجه طفل، وجه ملاك،
له جسد الكرة،
له قلب أسد،
له قدما غزال عملاق،
وله هتافنا: مارادونا.. مارادونا، فنتصبب عرقًا، ويقتلع الكرة كالقطة البلدية الماهرة، من أرجل البغل. يراوغ كالثعلب المزوّد بقوة ثور، ويقفز كالفهد على حارس المرمى الضخم المتحوّل إلى أرنب: جووول!
مارادونا يرسم علامة الصليب، يبوس الأرض. يقف. يُحاصرْ. يفلت كالصوت. يقطف الكرة. يحاصرْ. يمرر الكرة جاهزة على شكل هدية إلى قدم زميل ساعده فى فتح قلعة الدفاع، فيصوّبها الزميل الماهر فى اتجاه المدى والجمهور. مارادونا يصفق من الوجع.
إن هو لم يسدد ستموت الأرجنتين من البكاء. وإن هو لم يصوّب سترفع الأرجنتين نصبا لعارها فى الفوكلاند. سيتوقف الشعور القومى عن الرقص، وستربح إنجلترا المغرورة الحرب مرتين. ولكن مارادونا يتقدم بالكرة من حيث تراجعت السلطة. مارادونا يعيد الجزيرة إلى الأرجنتين. وينبّه الإمبراطورية البريطانية إلى أنها تحيا فى أفراح الماضى.. الماضى البعيد

ما هذا السحر الجماعى؟
ما كرة القدم هذه.. ما هذا السحر الجماعى الذى لم يحل لغزه الشائع أحد؟
مارادونا لا يسأل غريزته. سقراط البرازيلى هو المفكّر المشغول بتأملات ميتافيزيقية حول الضربة الركنية. وزيكو يلاحق كابوس ضربة الجزاء، التى طارت من الملعب فطارت البرازيل من الحلم. وبلاتينى يُحسّن شروط التقاعد. وبيليه الخبيث يُجاهد لإخفاء الشماتة التى تصيب الملوك المخلوعين. ولكن مارادونا يعرف شيئًا واحدًا هو أن كرة القدم حياته وأهله وحلمه ووطنه و.. كونه منذ طفولته الفقيرة فى كوخ من تنك، تعلّم المشى على الكرة. كان يلف كرة الخيطان حول علب الصفيح ويلعب. ولعل الكرة هى التى علمته المشى.
مشى من أجلها. مشى ليتبعها. مشى ليلعب بها. ومشى ليسيطر عليها.
لقد تمحورت طفولته حول كرة الخيطان إلى أن ضحى أبوه براتبه الشهرى ليشترى له كرة قدم حقيقية. وانطلق.. ليكون أصغر لاعب فى منتخب الأرجنتين. وهكذا، ارتفع مارادونا الولد المعجزة من أشد البيوت فقرًا إلى أوسع الآفاق، إمبراطورًا على كرة القدم.
لم يكترث فى صباه بشاشة السينما والتليفزيون. ولكنه احتل الشاشة ليشاهده أكثر من مليارى إنسان، كما ترنو العيون إلى نجم فى السماء بقدميه. لقد رفعته الكرة، وارتفع بها، إلى أعلى أعالى الكلام.

عذاب حارس المرمى وضربة الجزاء
مارادونا هو النجم الذى لا تزاحمه النجوم. دانت له بقدر ما دان، هو، لكرة القدم، التى صارت كرة قدمه. النجوم تبتعد عن منطقة جاذبيته لتفتتن بما تراه، لتراه من الجهات كلها، لتبهر فى معجزة التكوين، لتصلى للخالق والمخلوق، لتحتفى بحرمانها المتحقق فى غيرها، لتنشد نشيد المدائح لمن جعلها تُهزم بهذا الامتنان: فما أسعد من هزمته قدم مارادونا!
هذه القدم، قدم مارادونا، مع كعب ميثولوجى آخر هو كعب أخيل.. هما أشهر قدمين فى تاريخ الأسطورة.
فلماذا نخبئ التساؤل المكبوت، الذى يوقده فينا هذا الجنون الجميل، الجنون الذى تنشره كرة القدم، كالعدوى، فى ملايين البشر: لماذا لا تكون كرة القدم موضوعًا للفن والأدب؟ أكرر: لماذا لا تكون كرة القدم موضوعًا للفن والأدب؟
ولماذا لا يتعامل الأدب مع هذا البارود العاطفى، الذى يشعل الملايين فى علاقتها بالمشهد الذى يحولها هى إلى مشهد درامى؟ ثم: أهناك عذاب أشد، ووحشة أقسى من عذاب حارس المرمى، ووحشته الكونية، أمام ضربة جزاء؟
وأهناك ضغط نفسى أثقل من ضغط الوقوف الدقيق على وتر النجاح أو الفشل، والتحكّم بمصير الأمة المعنوى، حين يقف الهدّاف الماهر لتسديد ضربة الجزاء؟
أليست هذه اللحظات أشد قسوة ورهافة وتفجيرًا للعاطفة الفردية والجماعية من اللحظات، التى يواجهها «مقامر» دستويفسكى، مثلًا؟

حرب التأويلات
ما هى كرة القدم هذه؟
هى شىء من صراع التأويلات، ومسرح واقعى لتعديل موازين القوى، أو المحافظة عليها، لخلق مستوى آخر للواقع، أو تثبيته. هى شىء من لعبة إعادة تركيب العالم على أسس مختلفة، وعلى جدارة مختلفة.
حرب عالمية يمارس فيها خيال الشعوب دوره الغائب أو الحاضر. لا أحد يتفرج على سباق الأجساد، والمهارة، والذكاء، المعبّرة عن طبائع الأمم فى الهجوم والدفاع، فى العنف والرقص، فى الفردية والجماعية. الجميع ينخرطون.
ولعل المشاهدون هم أشد اللاعبين اندفاعًا، لأنهم يدفعون بتاريخهم النفسى وتأويلاتهم ورغباتهم فى التعويض إلى الملعب، لرفع اللعبة إلى مستوى التعبير التمثيلى المتخيّل عن روح الأمة وحاجتها إلى التفوّق على الآخر. هى الوطنية المتفجرة. شرارة الإفصاح عن الباطن فى علاقته بالآخر. وهى حرية الإفصاح المتاحة عن الذات المحرومة من الإفصاح فى سياق السياسة أو الجنس أو اللون.
هى انفجار حرية تعبير عن حرية غائبة، أو عن سيادة تسعى لأن تواصل سيادتها. هى شىء من الصراع الاجتماعى أحيانا، وعن وحدة القوى الاجتماعية الداخلية فى صراعها القومى مع الخارج أحيانا أخرى.
هى المُتاح للتعبير والتنفيس والتظاهر ضد قمع يتحوّل الحَكم، أو المدرب فيه، إلى رمز لحاكم ظالم، أو لقضاء غير عادل حين تتخذ محاكمة الهزيمة شكل محاكمة السلطة، أو حين يتخذ الانتصار شكل التدليل على أن روح الشعب ووحدته، هما اللتان انتصرتا، وأنهما لا يتحملان المسئولية عن هزيمة عسكرية ليست حتمية.
وأحيانًا تتخذ اللعبة معنى الانتقام الجماعى أو التعويض الجماعى عن عدم التكافؤ فى موازين القوى بين دول كبرى ودول صغرى. وباختصار، فإنها تمثل ما تبقى من إجماع حول فكرة، أو حماسة، أو قوة، أو هدف.
إنها حرب التأويلات ومن مظاهرها الوحدة الأوروبية المفاجئة حول ألمانيا فى المباراة النهائية، التى اتخذت شكل الصراع الأوروبى الأمريكى اللاتينى، بينما لم يعبر «العالم الثالث» عن وحدته.
وقد يحمل هذه الدلالة انحياز الحكم البرازيلى السمسار المستلب، الذى بذل جهودًا طائلة للحصول على «البراءة» الأوروبية من تهمة محتملة، لأن مقياس النـزاهة هو مقياس أوروبى! فغض الطرف عن المخالفات الألمانية الفظة، وعاقب مارادونا بقسوة زائدة، فذكرنا بأن العالم الثالث لا يتوحد حول ذاته، بل يوحد استلابه أمام السيد. إنه يرنو إلى نموذجه الآخر، يتملق «غربه» ولا يحب لطرف من أطرافه أن يساويه بغير الهزيمة.

الملك الأحمق لا يوقف موج البحر
لكن مارادونا، كما استقر فينا، خفف من انسياق هذه التأويلات إلى ما هو أبعد. لقد رفع كرة القدم إلى مستوى التجريد الموسيقى الشفاف، رفعها إلى الطهارة المطلقة.
لم يحرّك فينا العاطفة القومية، فهو ليس منّا. ولم يحرك فينا وحدة التضامن مع العالم الثالث ممثلًا فى الأرجنتين، التى لا تريد هذا الانتماء، وتستمرئ تبعيتها المثقلة بالديون والعنصرية الرسمية، ولكنه حرّك فينا حاسة الدفاع عن النفس أمام هجوم الإشارات العنصرية الغربية، ومنها تعليقات التليفزيون الفرنسى.
لعب مارادونا من أجل اللعب. وحوّل كرة القدم إلى أغنية راقصة. مزيج من السامبا البرازيلية والتانجو الأرجنتينى.
لا يمكن إيقافه كما لا يمكن للملك الأحمق أن يوقف موج البحر. هكذا يقول الخبراء الرياضيون، الذين وجدوا فى المرجعية الشعرية اللغة الوحيدة القادرة على وصف هذا الشيطان الملائكى، صانع الفرص، نشّال ماهر، موجود فى كل مكان، حوّل الملاعب المكسيكية إلى مرتعه الخاص. المونديال هو مارادونا. قوى كالثور. سريع كالقذيفة.
يدخل الملعب كأنه داخل إلى كنيسة. يغربل الدفاع ويهدّف. نجم هذا العصر. لن يجد الأطباء دمًا فى عروقه سيجدون وقود الصواريخ. يمر كالهواء عبر المساحات الضيقة. ملك الكرّة المتوّج الذى قال:
«سجلت الهدف الأوّل فى مرمى الإنجليز بيد الله ورأس مارادونا».

المصدر : الدستور